الجنيه الإسترليني يتراجع أمام الدولار مع تصاعد مخاطر النفط وترقب تشديد بنك إنجلترا
تراجع الجنيه الإسترليني أمام الدولار الأمريكي وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، ما يزيد تعقيدات توقعات التضخم في بريطانيا، بينما تترقب الأسواق بيانات التضخم الأمريكية وتوجهات بنك إنجلترا بشأن أسعار الفائدة، مع استمرار الضغوط الفنية على زوج GBP/USD.
تراجع الجنيه الإسترليني أمام الدولار الأمريكي خلال تعاملات يوم الاثنين، متأثرًا بتصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، رغم تزايد التوقعات باتجاه بنك إنجلترا إلى تشديد سياسته النقدية خلال الفترة المقبلة. وجاء هذا الأداء في ظل محدودية البيانات الاقتصادية الجديدة من بريطانيا والولايات المتحدة، ما جعل التطورات السياسية ومخاوف التضخم من أبرز العوامل المحركة للأسواق.
وانخفض زوج الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأمريكي (GBP/USD) بنحو 0.11%، ليتداول قرب مستوى 1.3217، بعدما سجل في وقت سابق من الجلسة ارتفاعًا إلى 1.3261. ويعكس هذا التراجع صعوبة استمرار تعافي العملة البريطانية في ظل الضغوط الخارجية التي تدعم الطلب على الدولار.
توترات الشرق الأوسط وارتفاع الطاقة يحدان من مكاسب الأسواق
رغم التحسن النسبي في معنويات المستثمرين، لا تزال التطورات الأمنية في الشرق الأوسط تشكل مصدر قلق للأسواق العالمية. فقد أسهمت هجمات الحوثيين على السعودية واستمرار استهداف السفن في مضيق هرمز في الحد من مكاسب العقود الآجلة للأسهم الأمريكية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة.
وفي أوروبا الشرقية، ازدادت الشكوك بشأن فرص التوصل إلى تهدئة مستدامة بين روسيا وأوكرانيا، بعدما تعرضت منشأة كهرباء لهجوم روسي رغم الحديث الأمريكي عن تفاهم لوقف استهداف منشآت الطاقة.
وحذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من استمرار الضربات ما دامت الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية متواصلة، مشيرًا إلى أنه علم بإعلان الهدنة الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر وسائل الإعلام.
وتزيد هذه التطورات من حالة عدم اليقين بشأن إمدادات الطاقة العالمية، كما تعزز المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية، وهو ما قد يؤثر في توجهات البنوك المركزية وأسعار العملات خلال الفترة المقبلة.
بيانات التضخم الأمريكية تحدد اتجاه الدولار
تتجه أنظار المستثمرين إلى بيانات التضخم الأمريكية المرتقبة، وفي مقدمتها مؤشر أسعار المستهلك المقرر صدوره يوم 14 أكتوبر، يليه مؤشر أسعار المنتجين يوم 15 أكتوبر. ومن شأن هذه البيانات أن تقدم مؤشرات مهمة بشأن مسار الأسعار في الولايات المتحدة، وتؤثر في توقعات قرارات الاحتياطي الفيدرالي المتعلقة بأسعار الفائدة.
وقد تدفع القراءات المرتفعة للتضخم المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على استمرار السياسة النقدية المتشددة، الأمر الذي قد يدعم الدولار الأمريكي ويزيد الضغوط على الجنيه الإسترليني. أما ظهور مؤشرات على تباطؤ التضخم، فقد يحد من توقعات رفع الفائدة الأمريكية ويمنح العملات الرئيسية الأخرى فرصة للتحسن.
كذلك، يترقب المتعاملون تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي خلال الأيام المقبلة، بحثًا عن إشارات إضافية بشأن تقييم البنك المركزي لمخاطر التضخم والاقتصاد الأمريكي.
تحذيرات من استمرار التضخم في بريطانيا تعزز توقعات رفع الفائدة
على الصعيد البريطاني، تظل الضغوط التضخمية محورًا رئيسيًا في توقعات السياسة النقدية. فقد حذرت كاثرين مان، عضو لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا، من أن اقتراب معدل التضخم في المملكة المتحدة من 4% بحلول نهاية العام قد يؤدي إلى استمرار التفاعل بين ارتفاع الأجور والأسعار.
وأوضحت أن ترسخ التضخم لفترة طويلة قد يؤثر في توقعات الأسعار على المدى البعيد، مشيرة إلى أن تضخم قطاع الخدمات يصعب خفضه مقارنة ببعض مكونات التضخم الأخرى، وقد يتطلب إحراز تقدم ملموس في هذا المجال مزيدًا من التشديد النقدي.
وتعزز هذه التصريحات التوقعات بأن بنك إنجلترا قد يلجأ إلى رفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، خاصة إذا استمرت الضغوط السعرية ولم تظهر مؤشرات كافية على تراجعها.
وبحسب بيانات منصة Prime Terminal، تسعّر الأسواق احتمالًا يقارب 90% لرفع الفائدة خلال اجتماع البنك المقرر في 5 نوفمبر. كما تشير التوقعات إلى إمكانية تنفيذ زيادات إضافية خلال عام 2027، بما قد يرفع سعر الفائدة الأساسي إلى 4.75% خلال عام، مقارنة بمستواه الحالي البالغ 3.75%.
ورغم أن توقعات رفع الفائدة قد توفر دعمًا للجنيه الإسترليني، فإن تأثيرها يظل مرتبطًا بتطورات التضخم والمخاطر الجيوسياسية وقوة الدولار الأمريكي.
التحركات السياسية البريطانية تضيف عاملًا جديدًا إلى المشهد
في سياق منفصل، أشار رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام إلى سعيه للتوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي بشأن طبيعة العلاقة المستقبلية بين الجانبين.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتابع فيه الأسواق التطورات السياسية والاقتصادية في المملكة المتحدة، إلى جانب المؤشرات المرتبطة بالتضخم والسياسة النقدية، لتقييم انعكاساتها المحتملة على الجنيه الإسترليني.
ومن المنتظر أيضًا أن يشهد جدول الفعاليات الاقتصادية تصريحات لعدد من مسؤولي بنك إنجلترا، على أن تتضمن مشاركة محافظ البنك أندرو بيلي في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث سيترقب المستثمرون أي إشارات جديدة بشأن توجهات السياسة النقدية.
التحليل الفني لزوج GBP/USD: الاتجاه الهبوطي لا يزال قائمًا
على الصعيد الفني، يتحرك زوج GBP/USD بالقرب من مستوى 1.3212 على الرسم البياني اليومي، مع استمرار الضغوط الهبوطية في الأجل القريب. ويظل السعر أدنى مجموعة من مستويات المقاومة التي تشمل المتوسطات المتحركة البسيطة طويلة الأجل بالقرب من 1.3434، إلى جانب مقاومتي خط الاتجاه الهابط عند 1.3419 و1.3291.
ويتحرك مؤشر القوة النسبية (RSI) لفترة 14 يومًا بالقرب من مستوى 37، أي دون المستوى المحايد البالغ 50، لكنه لم يصل بعد إلى منطقة التشبع البيعي. وتشير هذه القراءة إلى استمرار ضعف الزخم الصعودي وتفوق الضغوط البيعية، دون أن تعني بالضرورة اقتراب انعكاس فوري في الاتجاه.
كما أن مستويات الدعم التي كان الزوج يعتمد عليها خلال اتجاهه الصاعد السابق بدأت تتحول إلى مناطق مقاومة محتملة، ما يزيد من صعوبة استعادة المكاسب دون تحسن واضح في الزخم.
مستويات المقاومة والسيناريوهات المحتملة للصعود
تظهر المقاومة الأولية أمام الزوج بالقرب من مستوى 1.3291، الذي يمثل حاجزًا فنيًا مهمًا أمام أي محاولة للتعافي.
وفي حال تمكن السعر من تجاوز هذا المستوى، فقد يتجه نحو منطقة المقاومة الممتدة بين 1.3360 و1.3434، حيث تتجمع عدة مستويات فنية تشمل المتوسطات المتحركة وخطوط الاتجاه. وقد يشكل اختراق هذه المنطقة إشارة إلى تحسن الزخم، خصوصًا إذا استقر السعر فوقها.
أما تجاوز مستوى 1.3606، فقد يعزز احتمالات حدوث تعافٍ أوسع ويشير إلى تراجع سيطرة البائعين، لكن الوصول إلى هذا السيناريو يتطلب أولًا اختراق الحواجز الأقرب بصورة واضحة.
مستويات الهبوط ومخاطر استمرار التراجع
في المقابل، فإن فشل زوج GBP/USD في استعادة مستوى 1.3291 قد يبقي الضغوط الهبوطية مسيطرة، مع احتمال استمرار تحركه نحو القيعان السابقة.
ولا تتضمن المستويات الفنية الواردة في التقرير تحديدًا دقيقًا لأهداف الهبوط التالية، لذلك سيظل سلوك السعر عند مناطق الدعم السابقة عاملًا مهمًا في تقييم مدى استمرار التراجع.
وفي ظل ضعف مؤشر القوة النسبية وبقاء السعر دون مستويات المقاومة الرئيسية، تظل فرص التعافي مرتبطة بظهور قوة شرائية كافية لاختراق الحواجز الفنية القريبة، إلى جانب تحسن العوامل الأساسية الداعمة للجنيه.
النظرة المستقبلية للجنيه الإسترليني أمام الدولار
يتأثر مسار الجنيه الإسترليني خلال الفترة المقبلة بتداخل ثلاثة عوامل رئيسية: ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية، وتوقعات تشديد السياسة النقدية لبنك إنجلترا، ومسار التضخم الأمريكي الذي سيؤثر في قرارات الاحتياطي الفيدرالي.
فاستمرار ارتفاع تكاليف الطاقة قد يزيد الضغوط التضخمية في بريطانيا ويعقد مهمة البنك المركزي، في حين قد يمنح توقع رفع الفائدة الجنيه بعض الدعم. لكن قوة الدولار الأمريكي واستمرار المخاطر العالمية قد يحدان من قدرة العملة البريطانية على تحقيق مكاسب مستدامة.
وعلى المستوى الفني، ستظل مقاومة 1.3291 ومستويات المقاومة الأعلى حول 1.3360–1.3434 محطات مهمة لتقييم فرص التعافي، بينما قد يؤدي استمرار التداول دونها إلى إبقاء المخاطر مائلة نحو مزيد من التراجع. ومن ثم، ستكون بيانات التضخم الأمريكية وتصريحات مسؤولي البنوك المركزية من أبرز المحركات المحتملة لزوج GBP/USD خلال الأيام المقبلة.