الذهب يتراجع قرب أدنى مستوياته اليومية مع استمرار قوة الدولار وصعود عوائد الخزانة
يتعرض الذهب لضغوط متجددة قرب أدنى مستوياته اليومية مع استمرار قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأمريكية، بينما تحد المخاوف التضخمية المرتبطة بالنفط والتوترات الجيوسياسية من قدرة المعدن على التعافي رغم تراجع بعض مؤشرات التضخم.
يتراجع الذهب مقابل الدولار الأمريكي إلى الجزء السفلي من نطاق تداولاته اليومية خلال النصف الأول من الجلسة الأوروبية، بعدما فشل في الحفاظ على تحركه قرب مستوى 4200 دولار في وقت سابق من يوم الخميس. وعلى الرغم من صدور بيانات تضخم أمريكية جاءت أضعف من المتوقع يوم الأربعاء، فإن استمرار قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة إلى مستويات قياسية جديدة خلال عدة سنوات يحدان من جاذبية الذهب، الذي لا يوفر عائدًا لحائزيه.
وأظهرت بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي ارتفع بنسبة 3.4% على أساس سنوي خلال أغسطس، وهي نفس القراءة المعدلة بالخفض للشهر السابق، لكنها جاءت دون توقعات السوق البالغة 3.7%. كما استقر التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، عند 3% على أساس سنوي وفق القراءة المعدلة بالخفض لشهر يوليو، وجاء أيضًا أقل من التوقعات.
وقدمت هذه البيانات بعض الدعم للذهب، إلى جانب تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز التي اتسمت بنبرة أكثر ميلاً إلى التيسير، فضلًا عن انخفاض رهانات المستثمرين على رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع أكتوبر.
التضخم الأمريكي لا يغلق الباب أمام رفع الفائدة في أكتوبر
يرى جان غروين أن بيانات التضخم الأمريكية لشهر أغسطس حملت إشارات متباينة لصناع السياسة النقدية. فرغم أن التضخم الأساسي وفق مؤشر PCE جاء أقل من التوقعات، فإن تفاصيل التقرير لم تكن بالقدر نفسه من الطمأنينة، إذ أخفى تباطؤ تضخم السلع الأساسية عودة الضغوط إلى الارتفاع في تضخم الخدمات الأساسية ومؤشر التضخم الأساسي الأضيق نطاقًا، ما يشير إلى استمرار قوة الضغوط السعرية المحلية.
وعلى صعيد التوقعات الاقتصادية الأوسع، يرى غروين أن تعديلات بيانات التضخم كانت إيجابية بصورة محدودة، بينما كانت مراجعات النمو أكثر أهمية. فقد اتضح أن الاقتصاد الأمريكي دخل النصف الثاني من عام 2026 بزخم أقوى مما كان مقدرًا في السابق، في الوقت الذي لا يزال فيه التضخم الأساسي مرتفعًا بما يكفي لمنع الاحتياطي الفيدرالي من الشعور بارتياح كامل.
وبناءً على ذلك، يظل تثبيت أسعار الفائدة في أكتوبر احتمالًا قائمًا، لكن احتمال رفعها لا يزال مطروحًا أيضًا، خصوصًا قبل صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلك ومؤشر أسعار المنتجين لشهر سبتمبر، والتي قد تساعد في تحديد اتجاه السياسة النقدية خلال الاجتماع المقبل.
ولم يستمر التأثير الإيجابي الأولي لبيانات التضخم على الأسواق طويلًا، خاصة بعد مراجعة نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الثاني من 2026 بالرفع، من 1.5% إلى معدل سنوي قدره 2.2%. كما أن استمرار مخاطر التضخم الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني موقف أكثر تشددًا، وهو ما يحافظ على ارتفاع عوائد السندات ويدعم الدولار.
ووفقًا لتسعير الأسواق، لا يزال هناك احتمال يتجاوز 85% لرفع تكاليف الاقتراض الأمريكية مرة أخرى بحلول نهاية العام. وفي الوقت نفسه، تدفع التوترات بين الولايات المتحدة وإيران الدولار، الذي يُنظر إليه كملاذ آمن، إلى الاقتراب من أعلى مستوى له منذ بداية العام، والذي سجله في يونيو، الأمر الذي يزيد الضغوط على الذهب.
التوترات الأمريكية الإيرانية تبقي الدولار مدعومًا
تراجعت احتمالات التوصل إلى تسوية دبلوماسية سريعة للحرب بين الولايات المتحدة وإيران بعد رفض الرئيس دونالد ترامب مقترحًا إيرانيًا لهدنة مدتها سبعة أيام تهدف إلى إنهاء المواجهة العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز.
كما أشار ترامب إلى توقعه عودة العمليات العسكرية الكبرى والقصف ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر. وفي تطور آخر، طلب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من الوفد الإيراني مغادرة البلاد في ظل تعثر محادثات السلام.
وتُبقي هذه التطورات علاوة المخاطر الجيوسياسية مرتفعة، وهو ما يوفر دعمًا إضافيًا للدولار باعتباره أصلًا ملاذًا آمنًا، بينما يزيد الضغوط على الذهب ويجعل التحركات الهبوطية أكثر ترجيحًا في الوقت الراهن.
وينتقل اهتمام المتداولين الآن إلى مجموعة من البيانات الاقتصادية الأمريكية، تشمل طلبات إعانات البطالة الأسبوعية ومؤشر مديري المشتريات التصنيعي الصادر عن معهد إدارة التوريدات. كما ستتم متابعة تصريحات عدد من مسؤولي اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، بحثًا عن أي إشارات جديدة بشأن مسار أسعار الفائدة، وهو ما قد ينعكس على الدولار والذهب.
ويبقى تقرير الوظائف غير الزراعية الأمريكي، المقرر صدوره يوم الجمعة، الحدث الأهم على جدول البيانات الاقتصادية، إذ قد يقدم مؤشرات إضافية حول قوة سوق العمل واتجاه السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تؤدي التطورات الجيوسياسية إلى زيادة تقلبات الأسواق المالية العالمية وخلق تحركات قوية في أسعار الذهب.
التحليل الفني للذهب مقابل الدولار
يحافظ الذهب مقابل الدولار على اتجاه هبوطي على المدى القريب، مع بقاء السعر داخل قناة موازية تتجه إلى الأسفل. ويتزامن الحد العلوي لهذه القناة مع المتوسط المتحرك البسيط لـ100 فترة على الرسم البياني لأربع ساعات، ما يضيف إلى منطقة المقاومة القريبة من مستوى 4300 دولار.
وفي المقابل، تحول مؤشر التقارب والتباعد للمتوسطات المتحركة MACD إلى المنطقة الإيجابية، بينما يتحرك مؤشر القوة النسبية RSI بالقرب من 44، بما يعكس بعض الاستقرار في الزخم. إلا أن هذه الإشارات المختلطة تعكس تراجع قوة الضغوط البيعية أكثر مما تشير إلى تحول فعلي في الاتجاه الهبوطي السائد.
وبناءً على ذلك، قد تظل أي محاولة لتعافي الذهب محدودة بالقرب من منطقة المقاومة المشار إليها، وقد ينظر إليها المتداولون كفرصة لاستئناف البيع. وعلى الجانب الآخر، يمثل الحد السفلي للقناة عند 4082 دولارًا مستوى دعم رئيسيًا، وقد يؤدي كسره بوضوح إلى تمهيد الطريق أمام موجة هبوط أوسع للذهب خلال المدى القريب.