الذهب يتراجع من قمته التاريخية مع جني أرباح محدود.. والاتجاه الصاعد لا يزال قائمًا
أسعار الذهب تتراجع عن أعلى مستوياتها على الإطلاق بفعل جني أرباح في تداولات هادئة، لكن الطلب على الملاذ الآمن وتوقعات خفض الفائدة يحافظان على النظرة الصعودية.
تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات يوم الأربعاء بعد تسجيلها قمة تاريخية جديدة في وقت سابق من الجلسة، حيث دفعت السيولة الضعيفة المرتبطة بعطلات نهاية العام المستثمرين إلى تنفيذ عمليات جني أرباح محدودة. ويتداول الذهب مقابل الدولار (XAU/USD) قرب مستوى 4470 دولارًا، بعدما بلغ ذروة قياسية قرب 4526 دولارًا، مع تحقيقه مكاسب أسبوعية تقارب 3%.
ويأتي هذا التراجع الطفيف بعد عام استثنائي للذهب، إذ ارتفعت أسعاره بأكثر من 70% منذ بداية العام، متجهًا نحو تسجيل أقوى أداء سنوي له منذ عام 1979. واستند هذا الصعود القوي إلى الطلب المتزايد على أصول الملاذ الآمن في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية وحالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، إلى جانب التدفقات الاستثمارية المؤسسية القوية.
كما ساهم الضعف المستمر في الدولار الأمريكي في دعم المعدن النفيس، مدفوعًا بمزيج من السياسات التجارية الحمائية للولايات المتحدة وتوجه الاحتياطي الفيدرالي نحو تيسير السياسة النقدية. وكان الفيدرالي قد خفّض أسعار الفائدة بمقدار إجمالي بلغ 75 نقطة أساس خلال عام 2025، فيما تسعّر الأسواق خفضين إضافيين خلال العام المقبل، وهو ما يقلل من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب غير المدر للعائد.
وعلى المدى القريب، قد تشهد أسعار الذهب حالة من التماسك، مع غياب محفزات جديدة في السوق واستمرار عمليات جني الأرباح قبل نهاية العام. ومع ذلك، تظل النظرة العامة إيجابية، حيث تشير العوامل الأساسية إلى استمرار الاتجاه الصعودي على المدى المتوسط وصولًا إلى عام 2026.
محركات السوق: الفيدرالي والمخاطر الجيوسياسية في بؤرة الاهتمام
استوعبت الأسواق أحدث البيانات الاقتصادية الأمريكية قبل الدخول في فترة العطلات، حيث تراجعت مطالبات إعانة البطالة الأولية إلى 214 ألف طلب، متجاوزة التوقعات، في حين ارتفعت المطالبات المستمرة إلى 1.923 مليون. كما أظهر الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الثالث نموًا قويًا بلغ 4.3% على أساس سنوي، متجاوزًا التقديرات السابقة وتوقعات الأسواق.
في المقابل، كشفت بيانات أخرى عن إشارات ضعف، إذ تراجعت طلبات السلع المعمرة في أكتوبر، بينما أظهرت ثقة المستهلك انخفاضًا ملحوظًا في ديسمبر، ما ساهم في استمرار الضغط على الدولار الأمريكي. ويتداول مؤشر الدولار (DXY) قرب مستوى 97.96، قريبًا من أدنى مستوياته منذ أوائل أكتوبر.
على صعيد السياسة النقدية، تتوقع الأسواق أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع يناير المقبل، مع احتمال ضعيف لخفض الفائدة في الأجل القريب، رغم استمرار الرهانات على استئناف التيسير لاحقًا مع تباطؤ التضخم وضعف سوق العمل.
في الوقت ذاته، لا تزال التوترات الجيوسياسية المرتفعة — من الحرب في أوكرانيا، إلى عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وصولًا إلى تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا — عاملًا داعمًا قويًا للطلب على الذهب.
التحليل الفني: إشارات تصحيح محتمل دون كسر الاتجاه الصاعد
من الناحية الفنية، يتحرك الذهب في مناطق سعرية غير مسبوقة، مع ظهور إشارات على إجهاد الصعود. ويظل مؤشر القوة النسبية (RSI) في منطقة التشبع الشرائي، مع تشكل تباعد هبوطي يوحي بإمكانية حدوث تصحيح محدود على المدى القريب.
ورغم ذلك، يبقى الهيكل الصعودي العام قويًا، حيث تواصل الأسعار التداول أعلى المتوسطات المتحركة الرئيسية. ويمثل مستوى 4381 دولار دعمًا أوليًا، يليه المتوسط المتحرك البسيط لـ9 أيام قرب 4372 دولار، بينما قد يشكل المتوسط المتحرك لـ50 يومًا عند 4167 دولار منطقة جذب قوية للمشترين في حال تعمق التراجع.
على الجانب الصعودي، يشكل مستوى 4500 دولار مقاومة نفسية قريبة، قبل إعادة اختبار القمة التاريخية عند 4526 دولار. وقد يفتح الاختراق الواضح فوق هذا المستوى المجال أمام موجة صعود جديدة باتجاه 4600 دولار، في ظل استمرار قوة الاتجاه، كما يعكسها استقرار مؤشر ADX فوق مستوى 30.